أبيدوس الموقع المصري الشامل للفولكلور أبحاث ومؤتمرات      مشاركات الزوار            دراسات مترجمة         ملخصات بحثية            تجارب فولكلورية                شخصيات شعبية

       الصفحة الرئيسية         الثقافة المادية        الغناء الشعبي       التاريخ الشفهي للبلدان        العادات والتقاليد       المعتقدات الشعبية    الرواة والباحثون
  أحدث بحث:

آخر مشاركة:

الباحثون

دراسات وأبحاث
أبحاث ومؤتمرات
مشاركات الزوار
دراسات مترجمة
ملخصات بحثية
تجارب فولكلورية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أحمد توفيق  

  الجدة رهيفة   

 لم تتعمد الجدة رهيفة أن تعلمنا شيئاً , عندما كانت تجمع أحفادها السبعة حول " راكية النار " *  , فى  مندرة *  دوّار جدى القديم ؛ لتحكى لنا هذه الحكاية  " كان فيه واحده ست  "  و حكايات أمنا الغولة ,  و بنت الفوّال , وخيششبان , والسبع تحسات , وست الحُسن , والشاطر حسن وغيرها من الحكايات التى تتحاكى  بذكاء البنات وقدرتهن على المغامرة والفوز ,  والتى شكّلت وجداننا على مر السنين .

 

   لم  تقصد شيئاً ,  و نحن الصبية لم نكن ندرك أيامها أن ما تحكيه  الجدة رهيفة هو مجرد حكايات إلاّ عندما تنهى حكايتها بقولها :

 " توته توته فرغت الحدوته  حلوه  ولاّ ملتوته * " ثم توقظنا واحداً واحداً وهى تقول : هيّا يا أولاد .. اذهبوا إلى مدارسكم .

 

ما زال صوت الجدة رهيفة  يتردد فى أسماعنا , وما زالت هذه الحواديت , بل هذه الحدوتة بالذات " كان فيه واحده ست  ... "  لها تأثيرها الخاص فى قلوبنا . .   فى قلوبنا نحن الأحفاد , ولها معانيها التى لم نكن نعرفها  فى ذلك الوقت .

ياااه .. بعد كل هذه السنين ..!           دوّار جدى

 ما زال على هيئته القديمة ,  ما زال سحر الماضي يخرج  من بين جدرانه ويتحرك الآن أمام عينىّ ,  جدى وهو راقد على المصطبة الخلفية المقابلة  للنخلة  " العجورية   "   ,  التى تتوسط   "  نخل  البسايسة   " ,  صوت الجدة رهيفة , وهمسات تلك الحدوتة التى لم تفارق خيالي  حتى الآن .

 

فى إحدى الليالي  جلست  مع أبناء خالى  , نتبادل أطراف الحديث , حول دوّار*  الجد عطية , وذكرياتهم مع حواديت الجدة رهيفة .

 

" كان فيه واحده ست , عندها                                                               اتناشر بت  .... "

-    أما زلت تتذكر ؟!

-    كيف لا أتذكر هذه الحدوتة وحواديت الجدة رهيفة  التى ما زالت تتردد فى أذنىّ حتى الآن ؟!    كيف ؟!  .

" كان فيه واحده ست , عندها                                                                   اتناشر بت  ....   "  .

-     هذه الحدوتة وغيرها من الحواديت التى كانت تحكيها الجدة وتُعلى فيها من شأن الإناث وتعدد صفاتهن الحميدة من ذكاء وفطنة , وكانت تتصدى لما كان يحدث فى البلد , فى ذلك الوقت من التقليل من شأنهن , ما زالت تعيش فى قلوبنا حتى الآن ؛ مثل شجرة التوت التى تتفرع وتخضر وتثمر , ثم تدلِّى * فى خشومنا * حبات التوت والخير  .

 

- تذكرنا تلك الحكاية التى كانت تحكيها الجدة " رهيفة " على لسان أحد أبناء عمومتها :  منذ سنوات , قبل أن أتزوج , رأت لى زوجة أخي : فضة " حلماً  " قال الله ما اجعله خير "  رأت أبى وهو يحفر حفرة  , ويغرس شجرة  , وكانت هذه الحفرة فى غيط  عمى , وعندما سألته عما يفعل , قال لها : هذه الأرض أخذتها من أخي جمعة من أجل زراعتها ,  ثم أشار بيده .. انظري ..  هذه الحفرة سوف أغرس فيها شجرة فلفل لتثمر " فلفل مشطشط " وهذه الحفرة سوف أغرس فيها شجرة باذنجان لتثمر " بادنجان طايب " وهذه الحفرة سوف أغرس فيها شجرة كوسة لتنمو وتخضر وتتفرّع وتثمر  بالخير .

وفى تفسيرها لهذا الحلم قالت لى  :

أنتَ سوف تتزوج ابنة عمك فلانة , وسوف تنجب منها ولداً أسمراً لون الباذنجان , وولداًّ ذكياً مثل " الفلفل المشطشط " وبنتاً ذكية تنجب وتعمر وتملأ الدار بالخير , مثل شجرة الكوسة , وهى أفضل الثلاث  شجرات .

-   نعم .. إن شجرة الكوسة فى هذا الحلم هى أفضل الثلاث شجرات , لأنها رمز للتفرع والخضرة والإثمار   .

 

توّقف الكلام بين الأحفاد الثلاثة , عندما أصغوا  إلى تلك الأغاني التى يغنيها نساء البدهلية احتفالاً بزواج إحدى بناتهن , وهن يتحركن فى حركات دائرية , ثم يدخلن شارع الرهبة الكبيرة , عند مقابر الأربعين من الجانب الغربي :

 

      حمامه بيضه داخل البنيه *       

      الشعر سايب والعيون عسلية

      اركب حصانك يا شاطر وتعالى  

      البنت بيضه مزوقة  وعجبانه *

 

      أنا بنت بيت ابوى من بدري مستنيه 

      عمر الغريب بالمال ما يملا عنيّه                   

      بنتك يا ابوى أوعك تفرّط  فيّه

      حمامه بيضه داخل البنيه

 

 -   بالفعل تزوجت من ابنة عمى هذه , عشنا معاً أحلى الأيام وأنجبنا ثلاث : ولد يمتاز بسمرته وولد يمتاز بذكائه وبنت ملأت المنزل بالحياة    .

 

-       إن   غالبية حواديت الجدة رهيفة , تدور حول تلك البنت الذكية التى تفعل ما لا يفعله الرجال   , مثل حدوتة " السبع تحسات  , وتدور حول  أخين أنجب أحدهما سبعة أولاد , أطلق عليهم أهل البلد  " سبع شمعات  "    وأنجب الآخر سبع بنات أطلق عليهن أهل البلد   " سبع  تحسات ",  ولمّا كان صباح كل يوم يقول الأخ لأخيه : " صباح الخير يا أبو سبع شمعات "         فيرد الآخر مستهزئاً :

 "    صباح الخير يا أبو سبع تحسات " فيعود لبناته حزينا ويحكى لهن ما حدث ؛  قالت له البنت الصغرى : لانحزن يا أبى ,  قل له أن يراهنك على خروج أكبر أولاده  وخروج أصغر بناتك لمصاعب الدنيا , وبالفعل بعد سنوات من خروجهما , عادت البنت هى المنتصرة الغانمة , بعد أن أكدت للجميع بالدليل القاطع تفوقها على ابن عمها فى الذكاء والحيلة .

كف الأخ عن سخريته من أخيه , وعاش أبو البنات فرحاً ببناته , يفتخر بهن بين الأهل والأقارب .

-      ليس جديدا  أن تتفوّق البنت على الولد ,  أنثى أى  كائن هى منبع العطاء  , واستمرار الحياة .

 

  فى إحدى ليالي الصيف , التى يثور فيها النيل   ويهاجم الشاطيء  ,  متخطياً الجسر الكبير فوق أكوام المحاصيل  ؛     ليدخل البيوت , فى موسم " الدميرة  * "  تركت  الجدة رهيفة حواديتها وخرجت من الدوار؛  لتقف على حافة الجسر بين بناتها وحفيداتها تحسهن على إنقاذ ما يمكن إنقاذه . 

 

-      ليس غريباً على المرأة , فى تلك البلدة , التى تعودت الوقوف بجوار زوجها يداً بيد , أن تهم وقت الشدة وتفعل ما لا يفعله الرجال , فكما أن الجدة  " مواصف " كبيرة بين أهلها وناسها غرب البلد , والجدة " رهيفة " كبيرة بين أهلها وناسها شرق البلد , يوجد أمثالهن كثير فى عائلات وبلدان الصعيد , من الشرق للغرب , النساء عندهم أيضاً لهن احترامهن وكيانهن .

 

 

ومن تلك الحكايات التى تذكرناها فى تلك الجلسة  :

" حكاية إمرأة  تدعى " بهجة "   :  وبهجة هذه  من جزيرة راس حجر  * التابعة لقرية الطوايل / ساقلته / سوهاج  , كانت لا تحب البنات ومع هذا لم ترزق إلاّ ببنت وحيدة , وكان لها ابن عمة يدعى عوض من الطوايل ,  أنجب بنتاً وماتت فأخذها خلسة -  دون عمل جنازة لها -  ودفنها فى مقابر الأربعين , وزوجة عوض من جزيرة " راس حجر"   أيضاً , ابنة خال " بهجة " , وعندما علمت "  بهجة " أن ابنة خالها أنجبت بنتاً وماتت ذهبت إليها ليست لتعزيتها ؛ بل لتهنئها قائلة : ألف مبروك يا ابنة خالى .. إن الله يحبكِ .. واللهِ   .

وفيما بعد أنجب عوض صبياناً , وبنتاً هى الوحيدة التى تعلمت وأصبحت دكتورة كبيرة يفتخر بها والديها وأهل البلد جميعاً    .

 

 

صمت الأحفاد .. وتواترت المشاهد أمام عيني مسرعةً :

 

الجدة رهيفة وهى تشد أذنىّ : " إيه اللى انت عملته ده ؟" , " اللى انت عملته الليلة اللى فاتت ؟ " مش عارف يا ستى " , " واد خالك كامل جابك على إيده فى نص الليل , كنت فين رايح فى الساعة دى , إيه اللى مشاك وسط الغيطان فى الليل , وإيه اللى مغولك ناحية البح ( نهر النيل) " ما اعرفش يا ستى , مش فاكر حاجة خالص " , صمتت الجدة للحظات ثم أخذت والدتى رحمها الله  جانباً , وهمست فى أذنيها بكلام لم يسمعه أنهته بعبارة واضحة " الواد دا راكبه عفريت , خلّى خاله يا خده للشيخ محمود فى موشى "  .

 

الجدة رهيفة وهى راقدة على الدكة , التى فى مندرة جدى عطية , تنادى على أمى قائلة لها : يابت قومى حوطي البيت , فتهم أمى واقفةً , وتحرك يدها اليمنى حركة دائرية , وهى تردد  :

 

" حابس حابس 

 كل داب( الحشرة إلى تدب ) فى الشق يابس 

 لا البعيد يجينا 

ولا القريب يجينا 

 كرمان محمد نبينا 

 فى الحضرة جالس

 حابس حابس "

 

 تقولها ثلاث مرات , ثم تنام بجوارنا مطمئنة  من عدم اقتراب العقارب والثعابين منا .

 

خالى "على" رحمه الله وهو راقد على قدمى الجدة رهيفة , يستمع منها لدعاء " ليلة الجمعة " :

 

" يا ليلة الجمعه يا جامعه

ياللى متقبله , وسامعه

يا صاحبة العلم والقرآن

سلمى لنا على النبى

وحوالين النبى

ألف ألف سلام

سلمى لنا على فاطنه الزّهرا " فاطمة الزهراء "

بنتى فقيرة الفقرا

يا معلمنى كيف ما علمك ربك

سورة من القرآن

أنزل بيها قبرى

سورة من القرآن

أشرح بيها صدرى

أنا يابا خايفة من القبر وحشرته

ومنكره ونكيره وسطوته

النور النور

يا عالم   بحواصل الطيور

يا عالم بالشجرة النابتة

من تحت الجبال التابتة " الثابتة "

أوّلها عرش الرحمن

تانيها ورق الرمان

تالتها ورق الحنة

رابعها باب الجنة

من قالها ليلة الجمعة

تقبل الله حسناته

وكفّر له سيئاته "

 

كانت تقولها ثلاث مرات , وتنام مطمئنة , وهو ينظر إليها صامتاً لدقائق ثم يغلبه النعاس .

 

أبى " توفيق أحمد جمعة " رحمه الله , فى آخر ليلة نمت معه فيها , قبل وفاته بساعات , عندما استرجع أمامى طوال الليلة , ذكرياته مع أحبابه الذين سبقوه , رأى جدى أحمد جمعة وكلمه , ورأى عمى سيد , وعمى زكى وستى أمينة , وذكرياته مع أمى التى عاش معها قصة كفاح وحب لم أرى مثلها ,رحمهم الله جميعاً , فى هذه الليلة ذكر كل الناس بالخير حتى من تنكروا له , وظل للصباح راقداً على ذراعى , يقرأ ما حفظ من قرآن ثم يدعو لى ولأخوىَّ سيد وعلى , وهو يستعيد كل ما خزن فى ذاكرته من أحداث وذكريات وأدوار :

 

فى باطنى جرح يا طبيب            جوَّ الحِشا  خلِّى

قال اكشف عليه يا طبيب           دا اللي صاحبه خلِّى

 

وكانت ذاكرته يومها فى أوج حضورها , وأصر على سفرى عند الصباح وأذكر آخر عبارة قالها لى ولم أفهمها إلا بعد وفاته : خُد مرتك يا ولدى وسافر , أنا دلوقت بقيت كويس , مش يمكن إنت تطلع من هنا وأنا أطلع من هنا , وبالفعل أنا سافرت , ودخل هو فى غيبوبة وتوفاه الله  .

 

خالتى " فاطمة " رحمها الله  , عندما كانت تجمعنا ونحن صغاراً وتحكى لنا حكايات أمنا الغولة , البت الحمرة , الشاطر محمد , ثم تأخذنا بجوارها وننام .

 

 تلك الدمعة المنكسرة في عينى الجدة رهيفة ,  المرأة الصلبة الشديدة البأس  ,   وهى تضمنى عند عودتى من السفر وتقول :  أبقى اسأل علىَّ يا أحمد يا واد بتي , راحوا الحبايب : راحت كلثوم , وراحت بطة , وآهو راح خالك يا أحمد راح خالك على  , راح الغالى , أخذتنى فى حضنها وجلست تحكى لى عن الأحلام التى رأتهم فيها , ودموعها تسيل .

 

 

صمت الأحفاد وتصاعد الغناء   من داخل الدوّار ,  كان مشهداً عجيباً , أذهلهم جميعاً  ؛  عندما خرجت الصبايا  من حكايات الجدة رهيفة  ,  في حشد لم يسبق له مثيل  , تجوّلن في الدوّار , ثم اتجهن إلى " نخل البسايسة " يغنين :

             (  حمامه بيضه داخل البنية  ......

                              الشعر سايب والعيون عسلية   )

 

لم يكن غريباً عندما تعالى غنائهن الذي تداخل مع غناء نساء البلد المقابل , وهن يتحركن في طابورين متوازيين ناحية النيل :

 

          ( لما قالوا دا ولد    ..    إتشد حيلى واتسند

            لما قالوا دى بنيه   ..   اتهدت الدنيا عليّه

             

                   ................................................ ) 

 

تصاعدت الأصوات ثم انخفضت تدريجياً وانتهت عندما تقابل الطرفان عند حافة النهر وذهبا كل منهما , من حيث أتى .

اختفى المشهد وعاد الأحفاد من جديد يتبادلون الحديث  .

 

عند الصباح سكتت الحواديت واختفى القمر , وغاب الأحفاد , إلا ذلك الفتى الصغير الذي وقف ينظر  من خلال نافذة ضيقة , يتأمل تلك الملامح التي تتغير أمام عينيه : النيل الذي تخفَّى خلف تلك البنايات الخرسانية , النخلة العجورية التي زرعتها الجنيّة العجوز لتطعم منها بناتها السبع , سور نخل البسايسة الغربي , الفتيات اللاتي تحملن الجرار , وتتجهن إلى النيل , كل هذه الملامح اختفت الآن أمام عينيه , لم يبق من رائحة الماضي إلاّ  الدوّار القديم ( دوّار الجد عطية ) ,  وصوت الجدة رهيفة الذي يخرج من بين الجدران   يعلو  ويعلو  ويعلو  حتى استولى تماماً على أذنيه  :

 

                   "   كان فيه واحده ست  ..

                                  عندها اتناشر بت

                         في يوم قالوا لها : يا ماما

                           عايزين توت  .. يا ماما

                                 .. جابت لهم توت

                                    كل واحده توته

                                  .. توته توته توته 

                                 .. فرغت الحدوته  

                                  حلوه ولاّ  ملتوته     "     

الهوامش :

(1)      راكية النار  : الحطب المشتعل , للتدفئة

(2)       مندرة  :    مكان استقبال الضيوف وعقد جلسات الصلح وإقامة الأفراح  أو الجنائز.

(3)     ملتوته   :  غير منظمة أي ليست جميلة

(4)     دوّار   :   منزل

(5)     تدلِّى   :    تنزل

(6)     خشومنا  : مفردها خشم  ,  وتعنى فم  .

(7)     البنيَّة     :  مأوى الحمام  , تضع فيها البيض ويفقس .

(8)     عجبانه   : تتفاخر جمالها

(9)     الدميرة  : موسم فيضان النيل

شارك معنا

رأيك إيه
من نحن؟
لوحة الشرف
المكتبة
مكتبة الصور
مكتبة الصوت والفيديو
روابط هامة
آخر مشاركة
اتصل بنا
أخبار فولكلورية
بحث