أبيدوس الموقع المصري الشامل للفولكلور أبحاث ومؤتمرات      مشاركات الزوار            دراسات مترجمة         ملخصات بحثية            تجارب فولكلورية                شخصيات شعبية

       الصفحة الرئيسية         الثقافة المادية        الغناء الشعبي       التاريخ الشفهي للبلدان        العادات والتقاليد       المعتقدات الشعبية    الرواة والباحثون
  أحدث بحث:

آخر مشاركة:

الباحثون

دراسات وأبحاث
أبحاث ومؤتمرات
مشاركات الزوار
دراسات مترجمة
ملخصات بحثية
تجارب فولكلورية

 

 

 

 

 

 

 

الباحث/ أحمد توفيق

 

عم عبده بائع البوح

 

كان عم عبده واحد من هؤلاء البواحين  الذين يشتغلون بصناعة البوح    , وفى صباح كل يوم يجمع عم عبده البوح الذي تفتح في خرج كبير , يضعه على ظهر الحمار , ويلف به على بيوت البلد وبيوت البلدان المجاورة , وغالبا ما كان يبيع مع البوح أشياء أخرى كالبوظة والملوحة والمخلل , بعد أن يقوم أيضا بتخمير الشعير وتمليح الملوحة وتخليل المخلل  في داره   ,  والذين يشتغلون بهذه المهنة  , غالبا ما يتوارثوها عن آبائهم   , ويتم عمل البوح بنقع الترمس في الماء والملح ثم يترك عدة أيام حتى يتفتح ,       ويسمى " الترمس " عندنا " بوح "  والسبب في ذلك أنه " يتكتك "  عند وش الفجر أي يتفتح  و يبوح , فقشرة  الترمس أو البوح كما يطلق عليه فى هذه البلدة عندما يأتي الفجر تتفتح وأحياناً تتفتح زرعة بكاملها وتصدر صوتا مسموعا  " تك تك تك " فسمى " بوح " لأنه يشبه الفرد الذى يبوح بما فى داخله   .

 

عم عبده البوَّاح من عائلة البواحين أو الترامسية كان  محباً للنكات والأدوار ويحفظ منها الكثير ويرتجل الكثير , ببديهته الحاضره للرد على كل موقف من المواقف الطارئة بالدور المناسب , وكثيرا ما كان يجلس مع عم رياض الحلاق وهو من عائلة النصارى  أمام دكانه   , على "المصطبة" المواجهة " لجنينة البدهلية " , يتشاكسون , ذات مرة أراد عم عبده أن يأخذ لوحة من لوحات السيدة مريم التى تملأ دكان عم رياض , أعجبته وأراد أن يأخذها ليعلقها فى داره , فقال له عم رياض : وتاخدها ليه ؟ دى ستنا مريم , فقال له عم عبده : هي ستك أنت بس , ستنا مريم دى ستنا كلنا , دى ليها سورة عندنا فى القرآن , وجلسوا يضحكون ويتبارون فى ارتجال الأدوار , فعندما قال عم عبده هذا الدور  :

 

    يا دنيا مالك علينا كنكتى (كمشتى)   ..         وجوار هنية ما فيش

     فى النار بتغلى   كنكتى             ..        والجيب خالي ما فيش

                                    

رد عليه عم رياض ببديهته الحاضرة :

 

     أنا ضيفى  جانى  معشاى         ..         أسمر ظريف المعانى

     إن زاد السُكر على الشاى       ..   لا يبقى لى كيف ولا معانى

 

ثم قام عم رياض متوجهاً لعم عبده بالكلام , وقال هذا الدور   :

 

صلاة النبي تخيل بالصــــــــــاد          اللي راكب حمرة بجلابـة

مش عيب على صعيدي مأصال          يبيع البــــــــــوح للغلابة

فرد عليه عم عبده :

 

صحيح صلاة النبي تخيل بالصاد    وأنا صعيدي الفن مالي كراشي

مش عيـب على راجل مأصــــــــــال       يبيـــــــــع ويشترى  ويصطاد 

                    طــــول ماهوْ  ما بيتكراشـــــى

 

 

 

وكُنا نجلس نحن الصبية حولهم  منصتين - وهم يتبارون -  لنستمع إلى نكاتهم وأدوارهم وحواديتهم الكثيرة , وعندما تزدحم اللمة وتشتد المساجلات بين الكبار فيخرج عم عبده بدور من الأدوار , ويرد عليه عم رياض بدور آخر , تتعالى نبرات التشجيع فيما بيننا , ويلتف بعضنا  فى دائرة لنلعب ألعابنا الشعبية  : دارت , أول .. حوَّل , الدلك , النكيسة , صَلَّح , الدنكو أو النطة , السبعاوية  وغيرها من الألعاب التى كنا نلعبها فى تلك الآونة , والبعض الآخر منا يتبارى فى نسج ما حفظه من حكايات عن الجن والعفاريت , التى غالبا ما تختلف بعض أحداث الحكاية الواحدة من راوٍ لآخر بقدر ما تتمتع به مخيلة هذا الراوي من اتساع ورحابة , مثل الحكايات التى كانت تدور عن " البوابة" وعن كنز البوابة الكبير , الذى لو فتح  ستغرق الأرض بالدماء , التى ستسير فى مجرى يصب فى ماء النيل , بسبب صراع العائلات عليه " و كيف أن فلاناً ابن  فلان كان ماراً من البوابة بعد المغرب , وعثر على مخدة , فالتقطها ووضعها تحت باطه , ومضى بها إلى منزله , فإذا بها تستطيل متراً كلما خطى متراً , وعندما وصل إلى باب داره , نظر خلفه فوجدها طويلة جداً , هلع على الفور وأراد أن يتركها ويهرب فإذا بها تتشبث به قائلة " رجعني مطرح ما جيبتنى " وبالفعل عاد بها وكان كلما رجع خطوة تقل متراً حتى اختفت , فسقط مغشياً عليه , ومات بعد أيام قلائل .

 

والحكايات التى كانت تدور عن  "السويقة" وهى مكان السوق الأسبوعي للقرية , يوم السبت من كل أسبوع ,  يقال أن رجلاً أحمر الوجه , يشع ناراً , يرتدى زياً مملوكياً , كان يظهر يومياً بعد منتصف الليل , وسط الميدان , ممتطياً جواده الأحمر وكيف أن فلاناً رآه ذات يوم وآخر رآه فى يوم تالي  , وغيرها من الحكايات , مثل الجنيَّة التى كانت تظهر على سور " نخل البسايسة " من بعد المغرب وطوال الليل , والجني الذى كان يسكن فوق أفرع شجرة النبق الكبيرة فى " جنينة البدهلية " , وحكاية المسحور الذى ظهر على " القيف " عند  " بيارة بير مسعود " والمعركة التى دارت بينه وبين أحد أبناء البلد الأشداء , من بيت الحداد , والتي انتهت بجرح المسحور الذى بطل سحره بفعل الدم الذى سال منه , فجلس مع الرجل وحكى له حكايته , وغيرها من الحكايا التى تدور حول أماكن أخرى عديدة مثل "غيط الباق " , " نخل المصاليح " , الخرسة " , "المطار " .

 

فعندما كان يحكى  عطية حكاية " السبع .. وأبو عين واحدة " التى تناقلها الأبناء عن الجد عطية الكبير  , وكان يضيف إليها من مخيلته ما يضيف , وتدور هذه الحكاية حول سبعة أصدقاء من بلد واحدة , خرجوا فى رحلة صيد للجبل , فوقعوا فريسة لهذا الكائن المتوحش ( أبو عين واحدة ) الذى كتفهم جميعا , وكان كلما قرَّصَهُ الجوع , يشوى واحداً منهم ويأكله , حتى جاء دور آخر هؤلاء الأصدقاء , الذى استغل غياب "أبو عين واحده " واستطاع حرق الحبل بالنار  والهرب , وأثناء هروبه لمحه "أبو عين واحده "  وجرى خلفه , وظل هذا الرجل يجرى , وأبو عين واحدة يجرى خلفه , حتى دخل مغارة ليحتمي فيها , فوجد بداخلها " سبع " , وعندما دخل أبو عين واحده المغارة وراء الرجل , تصدى له السبع , ودارت بينهما معركة حامية انتهت بمقتل أبو عين واحدة الذى فقع السبع بطنه , وأصر السبع على الذهاب مع الرجل ليوصله   ولم يتركه   إلا بالقرب من قريته  , وبعد أن اطمئن عليه تماماً  , تركه وعاد .

 

كان يعقب عليه توفيق بأدواره التى حفظها عن السبع والتى تناقلها الأبناء عن الجد جمعة الكبير , مثل :

 

 

ضبع قابل سبع  على علوه  

                                      ومَرْ عليــه

طاطى يدوقه  لقيه حنضل       

                                     ومُرْ  عليــه

قال له :  أنتَ سبع   سبع  

                         وليك فى الجبال هنا إيه

قال له : اخرس .. أنا سبع

                         ولىَّ فى الجبال هنا همه

إن مُت ..    مُت م الجوع

                             ما انزلش على رمه

دا أنـا مَوْكَلى الغزلان

                            وادى اللي ادوم عليه

 

وقال أيضا فى السبع أدوار أخرى أذكر منها :

 

     السبــع لف العميمه  العميمه

                          واختشى ..   اختشى العتبات

    وابن الهفيه ..  بَرَم ْ  العميمه

                             وبقى له  فى البلاد عتبات

 

ويشتد الصراع بين الصغار , حول ألعابهم وفوازيرهم وحكاويهم عن الجن والعفاريت  , فيقف عطية ويحكى حكايته التى يعترض عليها أحد الصبية , ويختلف حول أجزاء منها  , ثم يقف توفيق , يجلجل بأحد الأدوار المناسبة لموضوع الحكاية , وهكذا , ولكن سرعان ما يتوقف كل هذا الهرج والمرج بين الصبية الصغار , عندما يحتدم صراع الكبار بين عم عبده البوَّاح , وعم رياض الحلاق , وهم من أكثر الناس قربا من قلوبنا نحن الأطفال , نظل ننصت إليهم حتى ننام فى أماكننا , ولم ننتبه إلاَّ  على صوت عم عبده البوَّاح الذى يوقظنا فى صباح اليوم التالي بصوته العذب مناديا على البوح , وعندما نخرج له , كان ينادى علينا , ويملأ  كف كل واحد منَّا بالبوح .

 

                                                          أحمد توفيق

 

 

 

شارك معنا

رأيك إيه
من نحن؟
لوحة الشرف
المكتبة
مكتبة الصور
مكتبة الصوت والفيديو
روابط هامة
آخر مشاركة
اتصل بنا
أخبار فولكلورية
بحث